0567905696EN

يشهد العالم ثورة تقنية تقودها أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تطرح سؤالًا جوهريًا: كيف تستوعب البيئة التشريعية السعودية هذه النوازل التقنية؟ يتجلى مرونة التشريع في نظام المعاملات المدنية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/191) لعام 1444هـ، الذي يتضمن قواعد شاملة تسمح بمعالجة الآثار القانونية لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

التكييف النظامي للذكاء الاصطناعي

من الناحية القانونية الصرفة لا يمكن إسباغ الشخصية القانونية على خوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي. يحدد نظام المعاملات المدنية الأشخاص على النحو التالي: الشخص الطبيعي يبدأ وجوده بمجرد الولادة الحية، والشخص الاعتباري يشمل الدولة والشركات والأوقاف وأي جهة تُمنح شخصية قانونية بنص نظامي. وبناءً عليه يُكيّف النظام الذكاء الاصطناعي كـ«شيء غير مادي» يمكن أن يكون محلاً للحقوق المالية، و«مال» لأنه يمثل قيمة مادية تُستَخدم في المعاملات.

الذكاء الاصطناعي وإبرام العقود

تعتمد العديد من المنصات على الذكاء الاصطناعي لإبرام العقود (مثل عقود التداول الآلي أو المبيعات الإلكترونية). وفقًا للنظام، يُنشأ العقد بارتباط الإيجاب بالقبول، ويتحقق الرضا بتوافق إرادتين متعاقدتين ذات أهلية قانونية. وبما أن الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى الأهلية، يُنسب التعبير عن الإرادة إلى الشخص (المبرمج، الشركة المالكة أو المشغل) الذي صمم النظام للقيام بهذا الفعل.

حالة خاصة: عقد يُبرم بالخطأ — إذا كان الخطأ فاحشاً مخالفاً للبرمجة الأساسية (مثل بيع بسعر صفر)، ينتفي الرضا ويجوز للقاضي فسخ العقد مع تعويض الطرف الآخر عن المصاريف فقط. أما إذا كان الخطأ ضمن الاحتمالات المقبولة (مثل تقلب سعري طبيعي)، يُعتبر العقد صحيحًا وملزمًا ويُحتسب التعويض كوسيلة لتقليل الضرر.

المسؤولية المدنية عن أضرار الذكاء الاصطناعي

قضية المسؤولية التقصيرية تُعَد الأكبر عند استعمال الذكاء الاصطناعي، مثل الأخطاء الطبية أو حوادث السيارات ذاتية القيادة. يحدد النظام أن «كل خطأ سبب ضرراً للغير يُلزم من ارتكبه بالتعويض» — فإذا أثبت المتضرر وجود خطأ بشري في البرمجة أو إدخال البيانات، يُلزم المبرمج أو المستخدم بالتعويض. كما ينص على أن «كل من تولى حراسة أشياء تتطلب عناية خاصة يكون مسؤولاً عما تحدثه من ضرر»، وتُصنّف أنظمة الذكاء الاصطناعي كأشياء تتطلب عناية خاصة، وبالتالي يتحمل المالك أو المشغل المسؤولية دون حاجة لإثبات خطأ مباشر.

يتوزع مفهوم «الحارس» حسب السلطة الفعلية: المالك المستخدم حارس أثناء القيادة الفعلية، والمصنع أو مطور البرمجيات حارس إذا كان له دور تحديث أو تحكم في القرارات الخوارزمية، ومزود الخدمة السحابية ليس حارسًا إلا إذا كان له دور مباشر في لحظة الضرر. ويتوزع التعويض بنسبة كل حارس بحسب سيطرته الفعلية.

جبر الضرر وموانع المسؤولية

عند إثبات مسؤولية الحارس أو المشغل، يُلزم التعويض الكامل للضرر بما يشمل الخسائر المادية والأرباح المفقودة (شريطة أن تكون نتيجة طبيعية للفعل الضار) والأضرار المعنوية والآثار النفسية. يمكن للمشغل التخلص من المسؤولية بإثبات انقطاع رابطة السببية عبر القوة القاهرة، خطأ طرف ثالث، أو سلوك غير متوقع للنظام لا يمكن توقعه حتى بأعلى معايير العناية المهنية.

دراسة حالة: سيارة ذاتية القيادة

افتراض: سيارة ذاتية القيادة (المستوى 4) تصدم مشاة بعد أن «قررت» تغيير المسار لتجنب طائر. يرفع المشاة دعوى ضد حارس السيارة (المالك). المالك يطالب بالرجوع على المصنع إذا ثبت عدم تدخله في القرار. المصنع يحتج بالسبب الأجنبي إذا برهن أن السلوك غير متوقع حتى بمعايير الهندسة. القاضي يُلزم صندوق التأمين الإلزامي بالتعويض أولاً، ثم يُحال النزاع إلى خبراء لتوزيع الخطأ. في حال عجز الخبراء، يُصنّف الضرر قضاءً وقدراً ما لم يُنص على نص خاص.

الخلاصة

نظام المعاملات المدنية السعودي يوفر إطارًا قانونيًا مرنًا يتيح معالجة النوازل التقنية التي تفرضها تطبيقات الذكاء الاصطناعي. لا يلزم تعريف صريح للذكاء الاصطناعي في النصوص، بل تُستخدم مفاهيم «الرضى» و«حراسة الأشياء» و«جبر الضرر» لتغطية جميع السيناريوهات المستقبلية. هذا الإطار يمنح بيئة استثمارية وقانونية آمنة للابتكار التقني في المملكة مع ضمان حقوق الأطراف.

إخلاء مسؤولية: المعلومات الواردة في هذا المقال للأغراض التعليمية فقط ولا تُعد استشارة قانونية. يُرجى مراجعة سياسة إخلاء المسؤولية كاملة.
ص
المحامي صالح محمد المحمدي
محامٍ ومستشار قانوني — خبرة +10 سنوات | ترخيص: 37496
آخر تحديث: 30 مايو 2026
مشاركة على LinkedIn

نصيحة عملية من المستشار صالح المحمدي

إذا كنت مطوّر تطبيقات ذكاء اصطناعي أو مستثمراً في قطاع التقنية، فننصحك بتضمين شروط واضحة في عقودك تحدد الجهة المسؤولة عن أي ضرر ناتج عن تشغيل النظام، وتغطية تأمينية مناسبة، ونص تحكيم يحدد المركز السعودي للتحكيم التجاري كجهة لحل النزاعات. الاستثمار في الصياغة القانونية السليمة اليوم يحميك من دعاوى التعويض الكبير غداً.

استشر محاميًا الآن